ابن قيم الجوزية

18

الوابل الصيب من الكلم الطيب

وقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال « إن الله سبحانه وتعالى أمر يحي بن زكريا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعلموا بها ، وأنه كاد أن يبطيء بها ، فقال له عيسى عليه السلام : إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم ، فقال يحي : أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب . فجمع يحي الناس في بيت المقدس ، فامتلأ المسجد ، وقعد على الشرف ، فقال : إن الله تبارك وتعالى أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن : أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وإن من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال : هذه داري وهذا عملي ، فاعمل وأد إلي . فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده . فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله أمركم بالصلاة ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يكن يلتفت . وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك كلهم يعجب أو يعجبه ريحه ، وأن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك . وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال : أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير ، ففدى نفسه منهم . وأمركم أن تذكروا الله تعالى ، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى . قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : السمع ، والطاعة ، والجهاد ، والهجرة ، والجماعة . فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع . ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم فقال رجل : يا رسول الله ، وإن صلى وصام ؟ قال وإن صلى وصام فادعوا بدعوا الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله » قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ، فقد ذكر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديث العظيم الشأن - الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتعقله - ما ينجي من الشيطان وما يحصل